أولا: درس النصوص 14 نقطة

آمن شعراء عصر الإحياء ونقاده أن الشعر صنعة قولية تكتسب بالدربة والممارسة والحفظ. ويشير مفهوم الصنعة، في هذا السياق، إلى القدرة على إحداث نتيجة سبق تصورها بواسطة فعل خاضع للوعي والتوجيه. فالشاعر صانع ماهر، يتعلم كيفية صنع شعره عن طريق الحفظ والممارسة والرجوع إلى القواعد المأخوذة من تجارب أسلافه.

وبقدر ما كان هذا الفهم للصنعة يدعم دوافع العودة إلى الموروث الشعري في توجهات حركة البعث والإحياء، كانت العودة إلى الموروث نفسه تدعم فهم الصنعة وتؤكده في الوعي الشعري العام والخاص في سياق لا ينفصل عن إيمان الإحيائيين بالموروث العربي القديم، وضرورة العودة إليه بوصفه ملاذا يحمي الذات العربية، ويؤكد الأصول الراسخة لهويتها، فيدعمها في موقف المواجهة مع حضارة الغرب التي أخذت تهدد هذه الهوية.

إن أبرز مبادئ الصنعة الشعرية التأكيد على أهمية الحفظ، خصوصا بعد أن تعلم الشاعر الإحيائي من أساتذته القدماء والمحدثين أن أول شرط من شروط صنعة الشعر الحفظ من جنس شعر العرب، ذلك لأن من قل حفظه أو عدم لم يكن شعره شعرا، وإنما هو نظم ساقط، واجتناب الشعر به أولى. وهكذا، اندفع الشاعر الإحيائي إلى حفظ دواوين الشعراء العرب القدامى ومختاراتهم نتيجة تسليمه بهذا المبدأ، ونتيجة اقتناعه بأن الحفظ هو الخطوة الأولى على طريق التفوق والتميز.

وقد اندفع البارودي، بفضل التلمذة على يد حسين المرصفي، إلى قراءة أغلب ما نظمه شعراء العرب القدامى، واستيعاب دواوينهم المخطوطة في مكتبات القاهرة والأستانة، فقد كان ينقطع إلى هذه المكتبات من وقت لآخر قارئا ودارسا وناسخا، وظل كلفا بذلك إلى أن تكونت له مكتبة ضخمة من مخطوطات الشعر العربي القديم، فقرأ أشعار مشاهير الشعراء العرب، حتى حفظ الكثير منها دون كلفة، واستثبت جميع معانيها، ثم جاء من صنعة الشعر اللائق بالأمراء.

ثم تابع أبناء الجيل اللاحق طريقة البارودي، وتعلموا، بفضل استيعابهم ما في كتاب "الوسيلة الأدبية" للمرصفي، سر عظمة البارودي، وأسرار الشاعر الناجح، فاندفعوا جميعا إلى الموروث الشعري، فكان شوقي شاعرا راويا يكثر من القراءة والدرس، وبتلك القراءة انطبعت في ذاكرته أغلب صور الشعر العربي. وفعل حافظ إبراهيم الشيء نفسه، فأكثر من قراءة كتب الأدب، وأطال النظر في دواوين الشعراء. وقد ساعدت حركة الطباعة والنشر التي ازدهرت مع إنشاء المطابع الأميرية على نشر كثير من عيون التراث العربي، الأمر الذي أتاح لشعراء الجيل الثاني من الإحيائيين - بعد البارودي - الاطلاع اليسير على الموروث الشعري العربي في اختلاف عصوره وشعرائه.

غير أن هذه الثقافة الواسعة بالموروث الشعري القديم سلاح ذو حدين في يد الشاعر، فهي من ناحية مفيدة في إرساء مكوناته الثقافية المهمة خصوصا حين تصله بالتجارب الخلاقة للشعراء الأسلاف. وهي تجارب ينبغي أن تذوب في (اللاشعور) مكونة مع الإدراكات الآنية للشاعر مادة جديدة لتجاربه الشعرية. وهي من ناحية مقابلة، يمكن أن تصبح حائلا بين الشاعر وذاته وعصره على السواء، خصوصا إذا حرص الشاعر على التشبه بالقدماء، واستغرق في الموروث إلى الدرجة التي يرى فيها كل شيء بعيون الدواوين القديمة التي أصبحت عيونه. وهذا ما حدث فعلا للشاعر الإحيائي في قسم غير هين من شعره.

جابر عصفور، استعادة الماضي، دراسات في شعر النهضة،
منشورات المدى للثقافة والنشر، سورية، دمشق، الطبعة الثانية 2002، ص: 157 وما بعدها (بتصرف).

المطلوب:

اكتب موضوعا إنشائيا، وفق تصميم منهجي متكامل ومنسجم، تحلل فيه هذا النص النظري، مستثمرا مكتسباتك المعرفية واللغوية والمنهجية، ومسترشدا بما يأتي:

  • تأطير النص ضمن سياقه الثقافي والأدبي، ووضع فرضية لقراءته.
  • تحديد القضية التي يطرحها النص، وعرض أهم العناصر المكونة لها.
  • رصد دوافع إقرار الشاعر الإحيائي بأهمية مبدأ الحفظ في تحقيق الصنعة الشعرية.
  • بيان الطريقة المعتمدة في بناء النص، وإبراز الأساليب الموظفة في عرض القضية التي يطرحها.
  • صياغة خلاصة تركيبية لنتائج التحليل، ومناقشة قول الكاتب: "يمكن أن تصبح (الثقافة الواسعة بالموروث الشعري القديم) حائلا بين الشاعر الإحيائي وذاته وعصره على السواء، خصوصا إذا حرص الشاعر على التشبه بالقدماء، واستغرق في الموروث إلى الدرجة التي يرى فيها كل شيء بعيون الدواوين القديمة التي أصبحت عيونه"، مع إبداء الرأي الشخصي وتعليله.
عناصر الإجابة - درس النصوص
ثانيا: درس المؤلفات 6 نقط

ورد في مؤلف "ظاهرة الشعر الحديث" لأحمد المعداوي المجاطي ما يأتي:

"بدأ الاتجاه إلى الذات يصبغ المضامين الشعرية الحديثة منذ ظهور جماعة الديوان، ولكنه لم يتبلور إلا من خلال جهود تيار الرابطة القلمية، وتيار جماعة أبولو".

أحمد المعداوي المجاطي، ظاهرة الشعر الحديث،
شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، ط. 2، 2007، ص: 10.

انطلق من القولة ومن قراءتك المؤلف النقدي، وأنجز ما يأتي:

  • وضع المؤلف في سياقه العام.
  • المقارنة بين المضامين الشعرية عند شعراء جماعة الديوان وشعراء جماعة أبولو.
  • بيان المنهج الذي اعتمده الكاتب في دراسة شعر التيار الذاتي.
  • تركيب الخلاصات المتوصل إليها في التحليل لإبراز قيمة المؤلف النقدي.
عناصر الإجابة - درس المؤلفات